الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
209
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ومعنى عرضهم على النار أن أرواحهم تشاهد المواضع التي أعدت لها في جهنم ، وهو ما يبينه حديث عبد اللّه بن عمر في « الصحيح » قال : قال رسول اللّه : « إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال : هذا مقعدك حتى يبعثك اللّه يوم القيامة » . وقوله : غُدُوًّا وَعَشِيًّا كناية عن الدوام لأن الزمان لا يخلو عن هاذين الوقتين . وقوله : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ هذا ذكر عذاب الآخرة الخالد ، أي يقال : أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ، وعلم من عذاب آل فرعون أن فرعون داخل في ذلك العذاب بدلالة الفحوى . وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص وأبو جعفر ويعقوب أَدْخِلُوا بهمزة قطع وكسر الخاء . وقرأ الباقون بهمزة وصل وضم الخاء على معنى أن القول موجّه إلى آل فرعون وأن آلَ فِرْعَوْنَ منادى بحذف الحرف . [ 47 - 48 ] [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 47 إلى 48 ] وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ ( 47 ) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ ( 48 ) يجوز أن يكون إِذْ معمولا ل ( اذكر ) محذوف فيكون عطفا على جملة وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ ، والضمير عائدا إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ [ غافر : 35 ] وما بين هذا وذاك اعتراض واستطراد لأنها قصد منها عظة المشركين بمن سبقهم من الأمم المكذبين فلما استوفي ذلك عاد الكلام إليهم . ويفيد ذلك صريح الوعيد للمشركين بعد أن ضربت لهم الأمثال كما قال تعالى : وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها [ محمد : 10 ] ، وقد تكرر في القرآن موعظة المشركين بمثل هذا كقوله تعالى : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الآية في سورة البقرة [ 166 ] ، وقوله : قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ الآية في سورة الأعراف [ 38 ] . ويجوز أن تكون وَإِذْ يَتَحاجُّونَ عطفا على جملة وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [ غافر : 46 ] لأن ( إذ ) و ( يوم ) كليهما ظرف بمعنى ( حين ) ، فيكون المعنى : وحين تقوم الساعة يقال : أدخلوا آل فرعون أشدّ العذاب ، وحين يتحاج أهل النار فيقول الضعفاء إلخ .